موريتانيا مأمورية ثالثة أم خذلان سياسي؟ الإعلامي محمد سوله
في كل مرحلة سياسية حساسة، تعود الأسئلة الكبرى إلى الواجهة، ويطفو الجدل حول مستقبل الحكم وحدود السلطة، وهو ما تعيشه موريتانيا اليوم مع تصاعد الحديث عن مأمورية ثالثة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، في وقت تتنامى فيه مشاعر الإحباط والخذلان لدى قطاعات واسعة من الرأي العام.
الدستور الموريتاني، مهما اختلفت التأويلات، وُضع ليكون صمام أمان يحمي التداول السلمي على السلطة، ويجنب البلاد منطق التمديد والتأبيد الذي أثبت فشله في تجارب إقليمية عديدة. ومن هذا المنطلق، فإن أي حديث عن مأمورية ثالثة، سواء جاء في شكل مطالب سياسية أو تلميحات إعلامية، يثير مخاوف مشروعة بشأن احترام النصوص وروحها، وليس فقط حروفها.
خلال المأموريتين المنصرمتين، رُفعت شعارات الإصلاح والتهدئة وبناء دولة المؤسسات، غير أن الواقع المعيشي الصعب، وغلاء الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وضعف الخدمات الأساسية، جعل شريحة معتبرة من المواطنين تشعر بأن الوعود لم تُترجم بما يكفي إلى سياسات ملموسة. وهو ما فتح الباب أمام سؤال جوهري: هل تحتاج البلاد إلى مأمورية ثالثة، أم إلى مراجعة عميقة للمسار السياسي والاقتصادي؟
الأخطر في هذا الجدل ليس فقط مسألة التمديد في حد ذاتها، بل ما قد تحمله من رسائل سلبية للشارع، مفادها أن إرادة المواطن ومبدأ التناوب على السلطة يمكن أن يخضعا لحسابات ضيقة. فالديمقراطية لا تُقاس فقط بوجود انتخابات، بل بمدى احترام القواعد التي تنظمها، وبقدرة النظام السياسي على تجديد نفسه دون ضغط أو التفاف.
في المقابل، يرى أنصار المأمورية الثالثة أن الاستقرار يتطلب الاستمرارية، وأن المشاريع الكبرى لم تكتمل بعد، غير أن هذا الطرح يصطدم بسؤال الثقة: هل الاستقرار الحقيقي يُبنى على بقاء الأشخاص أم على قوة المؤسسات؟ وهل يمكن تحقيق التنمية في غياب محاسبة سياسية حقيقية وتداول فعلي على السلطة؟
إن الرهان اليوم لا ينبغي أن يكون على تمديد المأموريات، بل على استعادة ثقة المواطن، وتعزيز دولة القانون، وفتح المجال أمام نخب جديدة وبرامج بديلة قادرة على مخاطبة هموم الناس بصدق. فخذلان الشارع أخطر من أي تغيير سياسي، لأنه حين تفقد السياسة معناها لدى المواطن، تصبح الديمقراطية مجرد واجهة شكلية.
وفي الأخير، تبقى موريتانيا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما احترام قواعد اللعبة الديمقراطية وتكريس التناوب السلمي على السلطة، أو الانزلاق نحو خذلان سياسي جديد يعمّق فجوة الثقة بين الحاكم والمحكوم. والتاريخ وحده كفيل بتسجيل المواقف.